ابن كثير
363
البداية والنهاية
زدنا فقال : اللهم إنا نسألك بالقدرة التي قلت للسموات والأرض ( ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ) [ فصلت : 11 ] اللهم وفقنا لمرضاتك ، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك ، ونعوذ بك من الذل إلا لك ، اللهم لا تكثر لنا فنطغى ولا تقل علينا فننسى ، وهب لنا من رحمتك وسعة رزقك ما يكون بلاغا لنا في دنيانا ، وغنى من فضلك . قال البيهقي : وفي حكاية أبي الفضل التميمي عن أحمد : وكان يدعو في السجود : اللهم من كان من هذه الأمة على غير الحق وهو يظن أنه على الحق فرده إلى الحق ليكون من أهل الحق . وكان يقول : اللهم إن قبلت عن عصاة أمة محمد صلى الله عليه وسلم فداء فاجعلني فداء لهم . وقال صالح بن أحمد : كان أبي لا يدع أحدا يستقي له الماء للوضوء ، بل كان يلي ذلك بنفسه ، فإذا خرج الدلو ملآن قال : الحمد لله . فقلت : يا أبة ما الفائدة بذلك ؟ قال : يا بني أما سمعت قول الله عز وجل ( أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين ) [ الملك : 30 ] والاخبار عنه في هذا الباب كثيرة جدا . وقد صنف أحمد في الزهد كتابا حافلا عظيما لم يسبق إلى مثله ، ولم يلحقه أحد فيه . والمظنون بل المقطوع به أنه إنما كان يأخذ بما أمكنه منه رحمه الله . وقال إسماعيل بن إسحاق السراج : قال لي أحمد بن حنبل : هل تستطيع أن تريني الحارث المحاسبي إذا جاء منزلك ؟ فقلت : نعم ! وفرحت بذلك ، ثم ذهبت إلى الحارث فقلت له : إني أحب أن تحضر الليلة عندي أنت وأصحابك . فقال : إنهم كثير فأحضر لهم التمر والكسب . فلما كان بين العشاءين جاؤوا وكان الإمام أحمد قد سبقهم فجلس في غرفة بحيث يراهم ويسمع كلامهم ولا يرونه ، فلما صلوا العشاء الآخرة لم يصلوا بعدها شيئا ، بل جاؤوا فجلسوا بين يدي الحارث سكوتا مطرقي الرؤوس ، كأنما على رؤوسهم الطير ، حتى إذا كان قريبا من نصف الليل سأله رجل مسألة فشرع الحارث يتكلم عليها وعلى ما يتعلق بها من الزهد والورع والوعظ ، فجعل هذا يبكي وهذا يئن وهذا يزعق ، قال : فصعدت إلى الإمام أحمد إلى الغرفة فإذا هو يبكي حتى كاد يغشى عليه ، ثم لم يزالوا كذلك حتى الصباح ، فلما أرادوا الانصراف قلت : كيف رأيت هؤلاء يا أبا عبد الله ؟ فقال : ما رأيت أحدا يتكلم في الزهد مثل هذا الرجل ، وما رأيت مثل هؤلاء ، ومع هذا فلا أرى لك أن تجتمع بهم . قال البيهقي : يحتمل أنه كره له صحبتهم لان الحارث بن أسد ، وإن كان زاهدا ، فإنه كان عنده شئ من علم الكلام ، وكان أحمد يكره ذلك ، أو كره له صحبتهم من أجل أنه لا يطيق سلوك طريقتهم وما هم عليه من الزهد والورع . قلت : بل إنما كره ذلك لان في كلامهم من التقشف وشدة السلوك التي لم يرد بها الشرع والتدقيق والمحاسبة الدقيقة البليغة ما لم يأت بها أمر ، ولهذا لما وقف أبو زرعة الرازي على كتاب الحارث المسمى بالرعاية قال : هذا بدعة . ثم قال للرجل الذي جاء بالكتاب : عليك بما كان عليه مالك والثوري والأوزاعي والليث ، ودع عنك هذا فإنه بدعة . وقال إبراهيم الحربي : سمعت أحمد بن حنبل يقول : إن أحببت أن يدوم الله لك على ما تحب فدم له على ما يحب . وقال : الصبر على الفقر مرتبة لا ينالها إلا الأكابر . وقال : الفقر أشرف من الغنى ، فإن الصبر عليه مرارة وانزعاجه أعظم حالا من الشكر . وقال : لا أعدل بفضل الفقر شيئا . وكان يقول : على العبد أن يقبل الرزق بعد اليأس ،